عبد الرحمن بن ناصر السعدي
453
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان
سورة الإسراء * ( سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير ) * ينزه تعالى نفسه المقدسة ، ويعظمها لأن له الأفعال العظيمة والمنن الجسيمة ، التي من جملتها أنه * ( أسرى بعبده ) * ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم ، * ( ليلا من المسجد الحرام ) * الذي هو أجل المساجد على الإطلاق * ( إلى المسجد الأقصى ) * الذي هو من المساجد الفاضلة ، وهو محل الأنبياء . فأسري به في ليلة واحدة إلى مسافة بعيدة جدا ، ورجع في ليلته ، وأراه الله من آياته ، ما ازداد به هدى وبصيرة ، وثباتا ، وفرقانا . وهذا من اعتنائه تعالى به ، ولطفه ، حيث يسره لليسرى ، في جميع أموره ، وخوله نعما ، فاق بها الأولين والآخرين . وظاهر الآية أن الإسراء كان في أول الليل ، وأنه من نفس المسجد الحرام . لكن ثبت في الصحيح ، أنه أسري به من بيت أم هانىء . فعلى هذا ، تكون الفضيلة في المسجد الحرام ، لسائر الحرم . فكله تضاعف فيه العبادة كتضاعفها في نفس المسجد . وأن الإسراء بروحه وجسده معا ، وإلا لم يكن في ذلك آية كبرى ، ومنقبة عظيمة . وقد تكاثرت الأحاديث الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم في الإسراء ، وذكر تفاصيل ما رأى ، أنه أسري به إلى بيت المقدس ، ثم عرج به من هناك ، إلى السماوات ، حتى وصل إلى ما فوق السماوات العلى ، ورأى الجنة والنار ، والأنبياء على مراتبهم ، وفرض عليه الصلوات خمسين . ثم ما زال يراجع ربه بإشارة موسى الكليم ، حتى صارت خمسا في الفعل ، وخمسين في الأجر والثواب ، وحاز من المفاخر تلك الليلة ، هو وأمته ، ما لا يعلم مقداره إلا الله عز وجل . وذكره هنا وفي مقام الإنزال للقرآن ، ومقام التحدي بصفة العبودية ، لأنه نال هذه المقامات الكبار ، بتكميله لعبودية ربه . وقوله : * ( الذي باركنا حوله ) * أي : بكثرة الأشجار والأنهار ، والخصب الدائم . ومن بركته ، تفضيله على غيره من المساجد ، سوى المسجد الحرام ، ومسجد المدينة ، وأنه يطلب شد الرحل إليه للعبادة والصلاة فيه ، وأن الله اختصه محلا ، لكثير من أنبيائه وأصفيائه . * ( وآتينآ موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل ألا تتخذوا من دوني وكيلا * ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبدا شكورا * وقضينآ إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا * فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا * ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا * إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها فإذا جاء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا * عسى ربكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا ) * كثيرا ما يقرن الباري بين نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، ونبوة موسى صلى الله عليه وسلم ، وبين كتابيهما وشريعتيهما ، لأن كتابيهما أفضل الكتب ، وشريعتيهما أكمل الشرائع ، ونبوتيهما أعلى النبوات ، وأتباعهما أكثر المؤمنين . ولهذا قال هنا : * ( وآتينا موسى الكتاب ) * الذي هو التوراة * ( وجعلناه هدى لبني إسرائيل ) * يهتدون به في ظلمات الجهل إلى العلم بالحق . * ( ألا تتخذوا من دوني وكيلا ) * أي : وقلنا لهم ذلك ، وأنزلنا إليهم الكتاب لذلك ، ليعبدوا الله وحده ، وينيبوا إليه ، ويتخذوه وحده وكيلا ومدبرا لهم ، في أمر دينهم ودنياهم ، ولا يتعلقوا بغيره من المخلوقين الذين لا يملكون شيئا ، ولا ينفعونهم بشيء . * ( ذرية من حملنا مع نوح ) * أي : يا ذرية من مننا عليهم ، وحملناهم مع نوح . * ( إنه كان عبدا شكورا ) * ففيه التنويه بالثناء على نوح عليه السلام ، بقيامه بشكر الله ، واتصافه بذلك ، والحث لذريته ، أن يقتدوا به في شكره ويتابعوه عليه ، وأن يتذاكروا نعمة الله عليهم ، إذ أبقاهم واستخلفهم في الأرض ، وأغرق غيرهم . * ( وقضينا إلى بني إسرائيل ) * أي : تقدمنا وعهدنا إليهم ، وأخبرناهم في كتابهم ، أنهم لا بد أن يقع منهم إفساد في الأرض مرتين بعمل المعاصي ، والبطر لنعم الله ، والعلو في الأرض والتكبر فيها ، وأنه إذا وقع واحدة منهما ، سلط الله عليهم الأعداء ، وانتقم منهم ، وهذا تحذير لهم وإنذار ، لعلهم يرجعون فيتذكرون . * ( فإذا جاء وعد أولاهما ) * أي : أولى المرتين اللتين يفسدون فيهما . أي : إذا وقع منهم ذلك الفساد * ( بعثنا عليكم ) * بعثا قدريا ، وسلطنا عليكم تسليطا كونيا جزائيا * ( عبادا لنا أولي بأس شديد ) * أي : ذوي شجاعة وعدد وعدة